عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

253

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

بحاله ومقاله وفعاله ، بل بذاته وصفاته ، فكلّ شيء في الوجود مطيع للّه تعالى ، لقوله تعالى للسموات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ « 1 » وليس المراد بالسموات إلا أهلها ، ولا بالأرض إلا سكانها ، وقال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » ثم شهد لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنهم يعبدونه بقوله : « كلّ ميسر لما خلق له » « 3 » لأن الجنّ والإنس مخلوقون لعبادته وهم ميسرون لما خلقوا له ، فهم عباد اللّه بالضرورة ، ولكن تختلف العبادات لاختلاف مقتضيات الأسماء والصفات ، لأن اللّه تعالى متجلّ باسمه المضلّ كما هو متجلّ باسمه الهادي ، فكما يجب ظهور أثر اسمه المنعم ، كذلك يجب ظهور أثر اسمه المنتقم . واختلف الناس في أحوالهم لاختلاف أرباب الأسماء والصفات ، قال اللّه تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً « 4 » يعني عباد اللّه مجبولين على طاعته من حيث الفطرة الأصلية ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ليعبده من اتبع الرسل من حيث اسمه الهادي ، وليعبده من يخالف الرسل من حيث اسمه المضلّ ، فاختلف الناس وافترقت الملل وظهرت النحل ، وذهبت كلّ طائفة إلى ما علمته أنه صواب ، ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ ، ولكن حسنه اللّه عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة في ذلك الأمر ، وهذا معنى قوله : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها « 5 » فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده ، وهو عين ما اقتضته صفاته ، فهو سبحانه وتعالى يجزيهم على حسب مقتضى أسمائه وصفاته ، فلا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ولا يضرّه جحود أحد بذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتصرّف فيهم على ما هو مستحقّ لذلك من تنوّع عباداته التي تنبغي لكماله ، فكل من في الوجود عابد للّه تعالى ، مطيع لقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ « 6 » لأن من تسبيحهم ما يسمى مخالفة ومعصية وجحودا وغير ذلك ، فلا يفقهه كلّ أحد ، ثم إنّ النفي إنما وقع على الجملة ، فصحّ أن يفقهه البعض فقوله : وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ يعني من حيث الجملة ، فيجوز أن يفقهه بعضهم . ثم اعلم أن اللّه تعالى لما أوجد هذا الوجود ، وأنزل آدم من الجنة ، وكان آدم

--> ( 1 ) آية ( 11 ) سورة فصلت . ( 2 ) آية ( 56 ) سورة الذاريات . ( 3 ) مسلم في : القدر ( 9 ) ، وأبو داود ( 4709 ) ، والترمذي ( 3111 ) ، وابن ماجة ( 78 و 91 ) . ( 4 ) آية ( 213 ) سورة البقرة . ( 5 ) آية ( 56 ) سورة هود . ( 6 ) آية ( 44 ) سورة الإسراء .